مقدمة
هل يوجد خالق لهذا الكون؟
قبل أن تبسمل وتحوقل وتلقي هذا الكتاب من يديك أو تكسر جهاز الكومبيوتر، فكر بهدوء ثم أجب، وحتى تفكر دعني أقل لك المقصود بالسؤال.
لنتخيل أننا أمام جبل عالٍ، أعلى من كل الجبال، حاولنا أن نعرف ما وراءه، تسلقناه، اخترعنا سلالم بكل الأشكال، ركبنا طائرات عملاقة، رصدنا بالأقمار الصناعية، ومع ذلك لم نصل أبدا لكشف ما وراءه.
ماذا يحدث في تلك الحالة؟
سيكون كل منا "تصوره" الخاص لما يخبئه الجبل خلفه، ثم يحاول كل منا نشر تصوره وتعميمه، وبمرور الوقت سيتحول التصور إلى يقين واليقين إلى عقيدة، ثم يورث هذا الأمر للأولاد من بعده، والأحفاد من بعد بعده، ثم يبحثون عما يدعم تصورهم بحيث يصبح "حقيقة". وبمرور الوقت يصبح أمامنا آلاف التصورات التي يؤمن أصحابها بأنها الحقيقة ولا حقيقة سواها.
هل أشكك في وجود خالق لهذا الكون؟
بالطبع لا، لأنه لا يعنيني من قريب أو من بعيد أن تؤمن بوجوده أم لا، لي "تصوري" الخاص، الذي لن أفصح عنه لأنه لا يعنيك، أنا فقط أريد أن أذكرك بالواقع الذي نعيشه.
فالعالم يزيد عن سبعة مليارات نسمة، وكل يوم يموت مئات الآلاف، ربما ملايين، ويولد غيرهم وأكثر منهم، تريليونات من البشر، يمتلكون عددا لا نهائيا من التصورات حول الخالق، معظمهم يعتبرون تصورهم يقينا، ويسمونه دينًا.
مبدئيا، هناك من يؤمنون بوجود إله، ومن يؤمنون بعدم وجوده، ملايين من الملحدين في العالم، منهم مثقفون وعلماء وأدباء على مستوى رفيع للغاية، لم يؤمنوا بوجود خالق لهذا الكون، وإن كانوا أقلية.
غير أن المؤمنين بوجود إله، لم يتفقوا على طبيعته وماهيته، وبالتالي فإن كلا منهم بالنسبة للآخر لا يختلف عن الملحد في شيء، خصوصا هؤلاء الذين يؤمنون بإله لكنهم لا دينيون، بمعنى أنهم يؤمنون بأن "الله" لم يرسل أحدا ليكون وسيطًا بينه وبين البشر.
أصحاب الأديان أنفسهم منقسمون إلى آلاف الأديان، الرئيسي منها بالعشرات، مسيحية وإسلام وبوذية (دين لا يؤمن بإله) ويهودية، وهندوسية وإباضية وبوحية وبهائية وأديان على كل شكل ولون، وبطبيعة الحال فإن كل دين له أتباع يؤمنون بأن دينهم هو الحق المبين.
هل نحن بحاجة لنقول إن كل دين انقسم إلى "مذاهب" داخلية، وصل الاختلاف بينها إلى حد يجعلك تقول مطمئنا بأنها أديان مختلفة. مثلا، الفارق بين السنة والشيعة والقرآنيين والمتصوفة في الإسلام يجعلها أديانا مختلفة، تكفر بعضها بعضا.
الخلاصة، عزيزي المسلم، السني خاصة، المصري على أخص الخصوص، فإن ما تملكه هو محض تصور من بين آلاف، وربما ملايين، التصورات. وإيمانك بأنه التصور الحق، لا يعطيك الحق في ازدراء أصحاب التصورات الأخرى ناهيك عن اضطهادهم، أو السعي للتخلص منهم. لا يعطيك الحق في أن تعتبر نفسك ذكيًّا ذكاء التنين في مقابل غباء الآخرين الذين لا يؤمنون بما تؤمن به.
مشكلتك الأولى يا صديقي أنك لا تستطيع أن تحقق المعادلة التي طالما تغنيت بها، وهي أن "رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأيك خطأ يحتمل الصواب". تعاملت معها كما تتعامل مع معظم شعاراتك: ترددها بكفاءة ببغاء، وتنساها كأنك سمكة.
السؤال الآن: وأين التخلف هنا؟
دعني أخبرك بأن ما ذكرته هو في حد ذاته تخلف، لأنك كرست حياتك؛ وقتك وجهدك ومالك وتركيزك وأعصابك، لمراقبة الآخرين وتقييمهم بحسب قربهم أو بعدهم من تصورك هذا، حتى وإن كانوا يظهرون عكس ما يبطنون. وأخذت تقيس الناس بطول اللحية واتساع الملابس وحجم ترديدهم لـ: "قال الله" و"قال الرسول".
أنت تحرم نفسك من نعمة انفتاح العقل، واتساع الأفق، وتغرق في بحر من الخرافات لمجرد أنها تدعم تصورك، أو هكذا تظن.
ما أقصده بالخرافات ليس ما تؤمن به، فكما اتفقنا أننا جميعا نمتلك قناعات قد تصدق وقد تكذب، وإنما أقصد بالخرافات ما ألحقته بدينك ومنحته القداسة نفسها، وهو ما نناقشه على مدار صفحات هذا الكتاب.
غير أننا نرى، هنا، أن هناك أفكارا حول ما ذكرنا، تستحق أن نقف أمامها ونناقشها، أفكار نسمعها في كل مكان يرددها المتحمسون للإسلاميين على اختلاف توجهاتهم، ومنها:
إن "صحيح الإسلام" يقر بحرية العقيدة، وأن الله أمرنا بكذا وكذا، وأن القرآن قال كذا وكذا، وأن المتطرفين والجهلاء لا يمثلون الإسلام، وإنما يمثله الوسطيون المعتدلون، إلخ إلخ.
حسنٌ، إذا كان "صحيح الإسلام" يرفض إجبار البشر على اعتناقه، فلماذا لا يجرؤ الملحدون في البلاد الإسلامية على الجهر بإلحادهم دون أن يكونوا عرضة للقتل أو النفي أو السجن أو التشريد؟
تحت أي عنوان يا صديقي نضع من يحرقون منازل البهائيين، ومن يطاردون المتصوفة، ومن يسعون لتطبيق حد الردة وحد الحرابة، ومن يحاولون استصدار القوانين لتضييق الخناق على غير المسلمين؟
من الذين يقتلون هذا لأنه شيعي أو ذلك لأنه صوفي أو لأنه قبطي، أو حتى لأنه سني لا يتبع تصوراتك بالحرف؟ من الذي يمنع بناء الكنائس إلا بقرار مركزي؟ من الذين يحرمون الأم من أبنائها، والأب من أولاده، ويفرقون بين المرء وزوجه؟
كل هؤلاء يؤمنون بأنهم يتبعون صحيح الإسلام، بل إنهم في الواقع يكفّرون شريكهم في الدين إذا لم يشاركهم في حملاتهم لمطاردة غير المؤمنين بما هم به مؤمنون.
ولكن، أليست كل الأديان تحمل الصفات نفسها؟ انظر إلى النصارى، إنهم يفعلون ويفعلون. اليهود يفعلون ويفعلون، الملحدون يفعلون ويفعلون، فلماذا تختص المسلمين وحدهم بالتخلف؟
حسن، دعني أخبرك بأنني لست مشغولا بـ "كل الأديان"، وليست المسألة من الأصل دينية في وجهة نظري، أنا أتحدث عن مجتمعي الذي تصادف أن أغلبيته المطلقة مسلمة، وأرى أن تصورهم عن الإسلام يعوقهم ويعوقني معهم. في أوروبا والدول المتقدمة توجد مساحات من الحرية تكفي لنمو الزهور جميعا، وأن تسب أحدهم بأمه، أهون عليه من أن تسأله عن ديانته، مجرد سؤال.
أوربا والدول المتقدمة ليست جنة بالنسبة لي، ولا هي النموذج، لكنها مقارنة بمجتمعاتنا الإسلامية هي بكل تأكيد كذلك.
وحتى مع افتراض أن كل أصحاب الأديان الاخرى متخلفون، فلماذا لا تكون أنت مختلفا، وتحاول التقدم؟ ألا يجدر بك، كمسلم، أن تكون في المقدمة؟ أن تسعى نحو حياة أفضل، وقيم أرقى؟ إن كنت جادا، إن .......
لكن الأمة في خطر، فالمؤامرات تحالك ضدها ليل نهار، والكل يتآمر على الإسلام، إنهم يريدون أن يهدموا دين الله، وأمريكا تنفق المليارات سنويا للعمل ضد الإسلام، ومصر مليئة بشبكات التنصير، لذلك فإن التمسك بصحيح الدين هو السبيل الوحيد لإنقاذ الهوية، أليس كذلك؟
يبدو هذا الكلام منطقيا، مقدمات تؤدي إلى نتائج متسقة معها، غير أن هناك عدة فخاخ في هذا الكلام، الفخ الأول هو تحويل صراع دولي تتطاحن فيه دول ومحاور وأحلاف إلى تآمر ديني من طرف واحد، إذ تشترك جميع الأديان، واللاأديان، في التخطيط لهدم دين واحد، دونما سبب مقنع، سوى أنه دين الله بينما الآخرون يتبعون الشيطان.
إن هذه الرؤية لا تفدم إجابة عن ذلك التحالف بين السعودية المسلمة، التي تطبق شرع الله وأمريكا المسيحية الكافرة، دعما للمسلمين السنة في سوريا، ضد النظام السوري المسلم العلوي، المتحالفة مع إيران المسلمة الشيعية.
ولا تفسر لماذا دعمت أمريكا الإسلام في أفغانستان لعقود، ثم لماذا وصلت العلاقة بينهما إلى حد القتال فيما بعد، ولا لماذا أحرق هتلر الفاشي اليهود، ولا كيف تعاون الغرب المسيحي مع أمريكا اللاتينية لاغتيال جيفارا الملحد.
هل تعلم أن المنشد العالمي سامي يوسف، هو إنتاج صاف للمعهد الملكي البريطاني الموسيقي، وأن حماية اللغة العربية (لغة القرآن) حملها المسيحيون اللبنانيون في أوقات عديدة، وأن الدومينيكان لعبوا دورا بارزا في حماية وتحقيق المخطوطات الإسلامية، وأن أفضل وأدق تحقيق لابن الفارض قدمه مستشرق إيطالي راهب كاثوليكي شرفت بالعمل معه، لم أر من يهتم بالتراث الإسلامي ويقدره مثله.
العالم يا صديقي أوسع بكثير من تفسيره بناء على عامل واحد، والتفاعلات فيه ديناميكية ومعقدة بحيث إن تبسيطها المخل في أنها "مؤامرة" مستمرة وثابتة يعوق فهمها، ومن ثم حسن التصرف حيالها.
الفخ الثاني في هذا الكلام، يتمثل في رد الفعل على تلك المؤامرة، إن وجدت، فوجود مؤامرة على "الإسلام" يستوجب شيئا واحدا، وهو المقاومة، والمقاومة لا تكون إلا بالقوة، والقوة ليست قوة سلاح فحسب، وإنما هي بالأساس في العلم والتقدم، والتقدم لا يأتي إلا بالحرية والتعددية، وفتح جميع النوافذ.
الغرب نفسه الذي يشن حربا شعواء ضد الإسلام، بحسب تصورك، لم يجبر مواطنيه على اتباع دين معين، لم يقل إنه يتمسك بصحيح المسيحية. لم تعلن اليابان رفضها وطردها للأديان المختلفة، بل إنها لم تهتم حتى بأن يعرف العالم أسماء الأديان السائدة عندها، بل إنهم يسمحون بالصلاة المشتركة بين أصحاب الأديان المشتركة.
باختصار، إذا كانت هناك بالفعل مؤامرة ضد الإسلام، فإنك، بما تفعله ضد غير المسلمين، لا تقاوم المؤامرة بل تدعمها. وأنت حر.

